الفيض الكاشاني
165
أنوار الحكمة
فافترقت أعداد ، واختلفت أحزاب ، وانعقدت ضياع وبلاد ، فاضطرّوا في معاملاتهم ومناكحاتهم وجناياتهم إلى قانون مرجوع إليه بين كافّتهم ، يحكمون به بالعدل ، وإلّا لتهارشوا وتقاتلوا ، بل شغلهم ذلك عن السلوك للطريق ، بل أفضى بهم إلى الهلاك ، وانقطع النسل ، واختلّ النظام ، لما جبّل عليه كلّ أحد من أنّه يشتهي لما يحتاج إليه ويغضب على من يزاحمه فيه . وذلك القانون هو الشرع . ولا بدّ من شارع يعيّن لهم ذلك القانون والمنهج ، لينتظم به معيشتهم في الدنيا ، ويسنّ لهم طريقا يصلون به إلى اللّه - عزّ وجلّ - بأن يفرض عليهم ما يذكّرهم أمر الآخرة والرحيل إلى ربّهم ، وينذرهم يوم ينادون فيه مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ [ 50 / 41 ] ، وينشقّ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً [ 50 / 44 ] ، وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ 5 / 16 ] ، لئلّا ينسوا ذكر ربّهم ويذهلوا بدنياهم عن عقباهم التي هي الغاية القصوى والمقصد الأقصى . نور وبوجه آخر : لمّا كان الإنسان في أوّل أمره ومبدأ نشوئه خاليا عن كماله الذي خلق له ، قاصرا عن الغاية التي ندب إليها - كما قال تعالى : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً [ 16 / 78 ] - قابلا إيّاه بفطرته التي فطر عليها ، يمكن له الوصول إليه بما أوتي من أسبابه ، وهيّئ له من شرائطه ، كما قال عزّ وجلّ : وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ 16 / 78 ] وقال : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [ 3 / 103 ] . لكنّه ممنو بمقتضيات نشأته التي جبّل عليها - لو خلّي وشأنه - لتشاكله على ما يقتضيه مزاجه وطبيعته بحسب الغالب من قواه ، وموجب طينته وهواه ،